
منذ أن بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بإنتاج النصوص والصور والموسيقى والأفكار، لم يعد السؤال الحقيقي هو: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج؟ بل أصبح السؤال أكثر عمقاً: هل ما ينتجه يمكن أن نسميه إبداعاً؟
قد يبدو السؤال في البداية بسيطاً، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما نتوقف قليلاً أمام مفهوم الإبداع البشري نفسه. فهل الإبداع البشري عملية تنشأ من فراغ؟ وهل كل فكرة جديدة هي في الحقيقة جديدة تماماً؟ أم أن الإنسان، مثل الآلة، يبني الجديد من أشياء سبق أن رآها أو تعلمها أو عاشها أو تفاعل معها؟
إذا نظرنا إلى الإبداع البشري من هذه الزاوية، سنجد أن جزءاً مهماً منه قائم على الاقتباس وإعادة التركيب والتفاعل مع البيئة المحيطة، إضافة إلى مهارات فردية مثل قوة الملاحظة والقدرة على التحليل والربط والاستنتاج والتخيل واتخاذ القرار. الإنسان لا يبدأ حياته ومعه مكتبة لا نهائية من الصور والأفكار والمفاهيم، وإنما يكوّن هذه المكتبة تدريجياً من خلال التجربة.
خذ مثالاً بسيطاً: طفل يولد في بيئة لا تتحدث سوى العربية. هذا الطفل سيتعلم العربية لأنها اللغة التي تعرض لها باستمرار، ولأنها أصبحت جزءاً من بيئته وخبرته اليومية. هل يمكن أن نتوقع منه أن يتحدث اللاتينية من تلقاء نفسه؟ بالتأكيد لا، ليس لأنه يفتقد القدرة العقلية اللازمة للغة، وإنما لأنه لم يتعرض لهذه اللغة بوصفها خبرة ومعرفة يمكن أن يبني عليها.

إذن، أليس جزء من الإبداع البشري قائماً أيضاً على ما تعرض له الإنسان من معرفة وتجارب ومؤثرات؟ أليست البيئة التي نعيش فيها، والكتب التي نقرأها، والأشخاص الذين نلتقي بهم، والصور التي نراها، واللغات التي نسمعها، والأفكار التي نتعلمها، كلها مواد تدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تكوين أفكارنا اللاحقة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما علينا أن نعيد النظر في المقارنة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي التوليدي قائم، في جزء كبير من عمله، على التعلم من كميات هائلة من المواد. وهو في هذا الجانب يمتلك قدرة تتجاوز الإنسان بوضوح من حيث الحجم والسرعة واتساع نطاق الاطلاع. يستطيع النموذج التعامل مع مواد بلغات متعددة، وربط أنماط ومعلومات من مجالات متباعدة، واستدعاء علاقات لا يستطيع الإنسان الواحد أن يحتفظ بها في ذاكرته.

وهنا يظهر سؤال أكثر إحراجاً: إذا كنا لا نرفض إبداع الإنسان لمجرد أن أفكاره تأثرت بما سبق أن تعرض له، فلماذا نرفض مبدئياً وصف إنتاج الآلة بالإبداع لمجرد أنها تعلمت من مواد سابقة؟
قد تكون الإجابة أن الإنسان لا يقتبس فقط، بل يفهم ويشعر ويقصد ويختار. وهذا اعتراض مهم. لكن هل هذه الخصائص كلها شروط ضرورية لتعريف الإبداع؟ أم أنها خصائص مرتبطة بالطريقة التي نعرف بها الإبداع البشري تاريخياً؟
ربما تكمن المشكلة في أننا نحاول قياس الآلة بمقياس صمم أصلاً للإنسان.
فماذا لو أعدنا تعريف الإبداع بعيداً عن هوية من أنتجه؟ ماذا لو قلنا إن الإبداع هو القدرة على إنتاج شيء جديد ذي قيمة أو معنى أو ملاءمة، انطلاقاً من معرفة سابقة، من خلال عمليات من التحليل والربط وإعادة التركيب والاختيار والتقييم؟
عندها يصبح السؤال مختلفاً تماماً
هل يقوم الإنسان بهذه العمليات؟ نعم
هل تقوم بها أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ في صور مختلفة، نعم
هل يعني ذلك أن الإنسان والآلة متماثلان؟ بالتأكيد لا
لكن هل الاختلاف بينهما يمنعنا من استخدام كلمة الإبداع لوصف كليهما؟ هنا تبدأ المساحة الحقيقية للنقاش
الدراسات الحديثة بدأت بالفعل تدفع النقاش في هذا الاتجاه. دراسة واسعة نشرت في Nature Human Behaviour قارنت بين 9,198 إنساناً وأكثر من 215 ألف ملاحظة لنماذج لغوية كبيرة في مهام للإبداع التباعدي، ووجدت أن الإبداع البشري كان في المتوسط أعلى قليلاً، مع اختلافات أكبر عند المستويات القصوى من الإبداع. النتيجة لا تقول إن الآلة غير مبدعة، كما أنها لا تقول إن الآلة تجاوزت الإنسان، وإنما تكشف أن المقارنة نفسها أصبحت قابلة للقياس العلمي. الدراسة في Nature Human Behaviour
وفي دراسة أخرى نشرت في Journal of Creative Behavior عام 2026، جرى بحث الطريقة التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل العملية الإبداعية، وخلصت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر تأثيراً في المراحل الوسطى من العملية الإبداعية، بينما يظل الإنسان أكثر حضوراً في تحديد المشكلة والتحقق من النتيجة. وهذا يفتح الباب أمام مفهوم الإبداع بوصفه عملية مشتركة أو موزعة بين الإنسان والآلة. الدراسة في Journal of Creative Behavior
كما أظهرت دراسة نشرت في PNAS Nexus اعتماداً على أكثر من أربعة ملايين عمل فني وأكثر من خمسين ألف مستخدم، أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي رفع الإنتاجية الإبداعية، وفي الوقت نفسه ظهرت مفارقة مهمة: ارتفعت قدرة بعض المستخدمين على الوصول إلى أفكار أكثر جدة، بينما انخفض متوسط الجدة في بعض جوانب الإنتاج. أي أن الآلة قد توسع مساحة الاحتمالات، لكن اتساع الاحتمالات لا يعني بالضرورة أن كل المخرجات أصبحت أكثر إبداعاً. الدراسة في PNAS Nexus
إذن هل الذكاء الاصطناعي مبدع؟ ربما لا نستطيع إعطاء إجابة واحدة قبل أن نتفق أولاً على معنى كلمة «مبدع»
وهنا يظهر سؤال آخر: هل يشترط الإبداع وجود وعي؟
إذا قلنا نعم، فإننا نضع شرطاً فلسفياً قد يجعل المسألة غير قابلة للحسم بسهولة، لأننا لا نملك حتى الآن تعريفاً متفقاً عليه للوعي، ولا نستطيع أن نثبت من الخارج كيف تكون التجربة الداخلية لأي نظام آخر بصورة مطلقة. وإذا قلنا إن الوعي ليس شرطاً، فإن الباب يفتح أمام تصور الإبداع باعتباره قدرة وظيفية يمكن أن تظهر من خلال سلوك ونتائج قابلة للملاحظة.
وماذا عن النية؟ هل يستطيع نظام لا يملك نية بشرية أن يكون مبدعاً؟ أم أن النية شرط من شروط الإبداع؟ وإذا كانت النية شرطاً، فماذا نفعل مع كثير من العمليات الإبداعية البشرية التي تبدأ بالمصادفة أو بالخطأ أو بالتجربة غير المقصودة؟
وماذا عن الأصالة؟ هل يجب أن يكون الناتج غير مسبوق تماماً حتى نعتبره إبداعاً؟ إذا كان هذا هو الشرط، فربما سنجد أن جزءاً كبيراً من الإبداع البشري نفسه ليس أصيلاً بهذا المعنى الصارم، لأنه يعيد تركيب عناصر سابقة في سياق جديد.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة: ربما لا تكون القيمة الحقيقية في كون الفكرة لم توجد من قبل بأي شكل، وإنما في الطريقة التي جرى بها تركيب عناصر المعرفة السابقة للوصول إلى نتيجة جديدة ومناسبة وذات معنى.
لكن هل الذكاء الاصطناعي يفعل ذلك بالطريقة نفسها التي يفعلها الإنسان؟ لا نعرف بعد
وهذه واحدة من النقاط التي يجب ألا نتجاوزها بسرعة. التشابه في النتائج لا يعني بالضرورة التشابه في العملية الداخلية. قد ينتج الإنسان والآلة مخرجاً يحمل درجة متقاربة من الجدة، لكن ذلك لا يثبت أن كليهما عاش العملية الإبداعية نفسها.
وهنا نصل إلى الذكاء العام
إذا كان الذكاء الاصطناعي العام يعني نظاماً قادراً على التعلم والاستدلال والتخطيط والتعميم عبر مجالات متعددة، فإن الإبداع سيكون واحداً من الاختبارات المهمة لهذا الذكاء. لأن الإبداع لا يتعلق فقط بإنتاج مخرج جميل أو فكرة غريبة، وإنما يتطلب القدرة على فهم السياق، تحديد المشكلة، استكشاف الاحتمالات، الربط بين مجالات مختلفة، تقييم النتائج، تعديل المسار، ثم اختيار ما يستحق الاستمرار.
فإذا وصل نظام عام إلى مرحلة يستطيع فيها أن يتعلم من بيئات مختلفة، ويحدد مشكلاته وأسئلته، ويولد حلولاً متعددة، ويقيّمها وفق أهدافه وسياقه، ثم يراجع قراراته ويطورها، فهل سيبقى من المنطقي القول إن ما ينتجه ليس إبداعاً فقط لأنه ليس بشرياً؟
وقد يكون السؤال الأصعب: هل نحتاج أصلاً إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي «مثل الإنسان» حتى نسميه مبدعاً؟
ربما يكون المستقبل أكثر إثارة إذا لم يصل الذكاء الاصطناعي إلى إبداع يشبه إبداع الإنسان، بل إلى شكل مختلف من الإبداع لا نمتلك نحن اسمه أو معاييره بعد.
فالإنسان محدود بتجربته الفردية، مهما اتسعت. والآلة يمكن أن تتعامل مع نطاق هائل من المعارف واللغات والأنماط في وقت واحد. وإذا أضيف إلى هذه القدرة الاستدلال والتخطيط والتعلم المستمر، فقد لا يكون السؤال: هل تستطيع الآلة أن تبدع مثلنا؟ بل: ماذا يمكن أن يكون الإبداع عندما لا يكون صاحبه إنساناً؟
وفي المقابل، هناك خطر آخر. إذا أصبحت النماذج تعتمد على أكثر ما هو شائع في البيانات، فقد تنتج أعمالاً أو أفكاراً تبدو جديدة لكنها في جوهرها تعيد تدوير الأنماط الأكثر حضوراً. وهنا يصبح الاختبار الحقيقي ليس كثرة المعرفة، بل القدرة على تجاوز المألوف.
لكن ألا يواجه الإنسان المشكلة نفسها؟
أليس الإنسان أيضاً أكثر تأثراً بما يتكرر أمامه؟ أليس المجتمع والتعليم والثقافة والإعلام واللغة كلها قوى تؤثر في ما نعتبره ممكناً أو مقبولاً أو مبتكراً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فربما تكون المسألة ليست في وجود التأثر، بل في قدرة النظام على تجاوز ما تعلمه وإعادة تركيبه بطريقة جديدة.
ومن هنا قد نحتاج إلى تعريف أكثر مرونة للإبداع: ليس الإبداع هو أن تأتي الفكرة من العدم، وإنما أن تتحول المعرفة السابقة إلى شيء جديد ذي قيمة من خلال عملية من الاختيار والربط والتحليل والتقييم
إذا قبلنا بهذا التعريف، فإن السؤال يتغير من «هل الذكاء الاصطناعي يبدع؟» إلى «إلى أي درجة يحقق الذكاء الاصطناعي شروط الإبداع التي نستخدمها للحكم على الإنسان؟»
وهذا سؤال يمكن قياس أجزاء منه علمياً، بينما تبقى أجزاء أخرى فلسفية مفتوحة
يمكننا قياس الجدة
يمكننا قياس الملاءمة
يمكننا مقارنة القدرة على حل المشكلات
يمكننا اختبار التعميم
لكن هل نستطيع قياس القصد؟ وهل نستطيع قياس التجربة الداخلية؟ وهل نستطيع معرفة ما إذا كانت الآلة «تفهم» ما تنتجه بالطريقة التي نفهم بها نحن ما ننتجه؟
هذه أسئلة لا أعتقد أن لدينا لها إجابات نهائية حتى الآن
وربما يكون من المبكر أيضاً القول إن الذكاء الاصطناعي وصل بالفعل إلى مرحلة من الإبداع المتفرد كالذي لدى البشر. الدراسات الحالية تقدم أدلة قوية على قدرات إبداعية قابلة للقياس، لكنها لا تحسم القضية الفلسفية حول طبيعة الإبداع أو الوعي أو النية. وحتى أحدث المقارنات الواسعة ما زالت تجد تفوقاً بشرياً في المتوسط وفي بعض المستويات القصوى من الإبداع. Nature Human Behaviour
لكن يمكننا أن نقول شيئاً آخر بثقة أكبر: الذكاء الاصطناعي أجبرنا على إعادة فتح تعريف الإبداع نفسه
وهذا ربما يكون أهم من الإجابة السريعة عن سؤال «هل الآلة مبدعة؟»
فإذا أعدنا تعريف الإبداع بطريقة تنطبق على الإنسان والآلة معاً، ثم وجدنا أن كليهما يحقق الشروط نفسها بدرجات قابلة للمقارنة، فسيصبح من الصعب فلسفياً الاستمرار في القول إن الإبداع ملكية حصرية للإنسان
وعند تلك النقطة قد نكون أمام تحول حقيقي في تاريخ مفهوم الإبداع، لا مجرد تطور جديد في أدوات الذكاء الاصطناعي
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحاً هو:
إذا وصل الذكاء الاصطناعي العام يوماً إلى مرحلة يستطيع فيها أن يتعلم ويستدل ويخطط ويبتكر ويقيّم ويعيد تعريف أهدافه ضمن سياقات متعددة، فهل سنظل نسأل إن كان مبدعاً؟ أم سنضطر إلى إعادة تعريف معنى «المبدع» نفسه؟
وقد يكون السؤال الأبعد من ذلك:
إذا أصبح الإنسان والآلة قادرين على إنتاج أفكار جديدة من خلال التعلم والاقتباس وإعادة التركيب والتحليل، فهل الفرق بين إبداعهما يكمن في طبيعة الإبداع، أم في طبيعة الكائن الذي يمارسه؟
لا أعتقد أن لدينا إجابة نهائية بعد
وربما لا ينبغي أن نبحث عن إجابة نهائية الآن
فربما يكون أجمل ما قدمه الذكاء الاصطناعي لنا حتى هذه اللحظة أنه لم يكتف بإنتاج أفكار جديدة، بل أجبرنا على إعادة التفكير في الطريقة التي كنا نعرّف بها الفكرة الجديدة نفسها
المصادر
Exploring How Generative AI Reshapes Artistic Creativity — Journal of Creative Behavior
Generative artificial intelligence, human creativity, and art — PNAS Nexus
An empirical investigation of the impact of ChatGPT on creativity — Nature Human Behaviour




