صورة رمزية عن التفكير والشك وطرح الأسئلة والبحث عن الحقيقة

الرفض للتفكير

الرفض للتفكير

هل يمكن أن يكون الرفض بداية للتفكير
لا نهايته

اعتدنا أن التفكير يبدأ عند البحث عن إجابة أو عندما نحاول إثبات صحة فكرة ما

لكن ربما يبدأ التفكير الحقيقي في اللحظة التي نتوقف فيها عن القبول

أن تقول لم أقتنع بعد

هذه الجملة على بساطتها قد تكون أحيانًا أكثر عقلانية من القبول التلقائي وقد تكون أيضًا أكثر نضجًا من الرفض المباشر

الرفض هنا لا يعني أن الفكرة خاطئة وإنما يعني أن العقل لم يمنحها موافقته بعد

عندما نستعرض أي فكرة غالبًا ما يحدث أحد أمرين

إما أن نقبلها أو نرفضها

لكن هناك مساحة ثالثة بينهما وربما هي الأهم

أن نعلق الحكم

فليس كل ما لا نقبله صحيحًا بالضرورة وليس كل ما نرفضه خاطئًا

قد نقول

لا أستطيع قبولها الآن لكنني مستعد لسماع ما يؤيدها

هنا يتحول الرفض من موقف مغلق إلى موقف مفتوح

فالرفض المغلق يقول هذا خطأ

أما الرفض المفتوح فيقول لم تكتمل لدي الصورة بعد

الفرق بينهما هو الفرق بين عقل يبحث عن الحقيقة وعقل يبحث عن الانتصار لرأيه

إذا طرح أحدهم فكرة فمن الطبيعي أن نسأله

ما الذي يجعلك تعتقد أنها صحيحة

ما الدليل عليها

وما الذي يمكن أن يجعلنا نغير رأينا بشأنها

هذه الأسئلة ليست بالضرورة بغرض إسقاط الفكرة وإنما الغرض منها أننا نريد معرفة لماذا ينبغي علينا أن نقبلها

وهنا يظهر مفهوم مهم جدًا

وهو عبء الإثبات

من يطرح ادعاءً جديدًا عليه أن يقدم ما يكفي من الأسباب التي تجعل الآخرين يرون أن قبوله معقولًا

هذا الأمر قد يكون فلسفيًا في بعض الأحيان

فعدم وجود دليل كاف على الفكرة لا يعني أنها خاطئة

قد تحتاج فقط إلى ما يثبتها

وهذا أحد أكثر الفروق أهمية في التفكير

الشك ليس عدوًا للحقيقة

أحيانًا ننظر إلى الشك وكأنه موقف سلبي

لكنه أيضًا وسيلة لحماية العقل من التسرع

الشك لا يقول كل شيء خطأ

بل يقول توقف قليلًا قبل أن تقول إن كل شيء صحيح

وهذا هو جوهر الشك المنهجي

أن نضع ما نعرفه تحت السؤال لا لكي نهدم المعرفة وإنما لكي نعرف أي جزء منها يستحق أن نبني عليه المفاهيم

الإنسان الذي لا يشك قد يصدق بسهولة

والذي يشك في كل شيء قد لا يصل إلى شيء

أما التفكير الناضج فربما يقع بينهما

أن نشك بما يكفي كي لا نخدع أنفسنا ونؤمن بما يكفي كي نستطيع مواصلة البحث

كل البجع أبيض

هناك مثال بسيط في فلسفة العلم يمكن أن يوضح لنا شيئًا مهمًا عن طريقة التفكير

لنفترض أننا قلنا كل البجع أبيض

ثم بدأنا نبحث عن البجع

وجدنا بجعة بيضاء ثم أخرى ثم عشرات ثم مئات ثم آلاف البجع الأبيض

هل أصبح من الممكن أن نقول إننا أثبتنا أن كل البجع أبيض

ليس بالضرورة

لأن ظهور بجعة سوداء واحدة يمكن أن يغير هذه النتيجة كلها

وهنا جاءت أهمية فكرة قابلية التفنيد التي ارتبطت بالفيلسوف كارل بوبر

الفكرة ليست فقط أن نبحث عن الأشياء التي تؤيد ما نعتقده

بل أن نسأل أيضًا ما الذي يمكن أن يثبت أنني مخطئ

وهذا السؤال يغير طريقة النظر إلى الفكرة بالكامل

فبدل أن أبحث فقط عن دليل يؤيدني أبحث أيضًا عن الدليل الذي يمكن أن يهدم ما أعتقده

وهنا يصبح التفكير أكثر صدقًا مع نفسه

ماذا يعني أن تكون الفكرة قابلة للتفنيد

بشكل مبسط يعني أن تكون هناك إمكانية لأن يظهر شيء يجعلنا نقول إن هذه الفكرة لم تعد صالحة

إذا قلت كل البجع أبيض فأنا أقدم فكرة يمكن اختبارها

أما إذا قلت إن هناك شيئًا ما موجود لكن لا يمكن رؤيته أو اختباره أو أن أي شيء يحدث يمكن تفسيره على أنه دليل على وجوده

فهنا تصبح المشكلة مختلفة

لأن الفكرة أصبحت محمية من الخطأ مهما حدث

وهذا لا يعني بالضرورة أنها خاطئة

بل يعني أننا لا نملك طريقة واضحة لاختبارها

وهنا تظهر قيمة أخرى للرفض

أن أرفض قبول فكرة لا لأنها خاطئة وإنما لأنني لا أعرف كيف أختبرها

لكن ماذا لو أصبح الرفض هو الأصل

هنا تبدأ المشكلة

إذا قلنا أنا أرفض كل فكرة حتى يثبت العكس

فعلينا أن نسأل لماذا الرفض هو نقطة البداية

لماذا لا يكون القبول هو البداية

ولماذا لا يكون تعليق الحكم هو البداية

فالقول إن كل فكرة خاطئة حتى يثبت أنها صحيحة ليس أكثر عقلانية بالضرورة من القول إن كل فكرة صحيحة حتى يثبت أنها خاطئة

في الحالتين نحن وضعنا نتيجة مسبقة قبل البدء

ولهذا يجب أن يكون الأكثر توازنًا هو

لا أقبل ولا أرفض بل أبحث أولًا

البحث والتفكير ليسا مجرد تعليق للحكم وإنما هما رحلة نحو موقف

نبدأ بالسؤال ثم ننظر في الأسباب ثم نكون موقفًا ثم نكون مستعدين لتغييره إذا ظهرت أسباب أقوى وهكذا

ماذا لو ثبت أنني مخطئ

هنا يظهر الاختبار الحقيقي للتفكير والعقلانية

من الممكن أن نبحث عن الأدلة التي تؤيد رأينا وهذا يعد تهربًا من رأي تم تبنيه عكسه مسبقًا

ولكن المفترض طرح السؤال التالي

كيف سأغير رأيي وفقًا لذلك

هذا السؤال يكشف الكثير عن علاقتنا بأفكارنا

إذا لم يكن هناك شيء يجعلنا نغير رأينا إن كان خاطئًا وبغض النظر عن أي دليل

فهنا يصبح الأمر شخصيًا

نحن نود حينها الدفاع عن ذاتنا لا أفكارنا

أفكارنا وقتها هي مجرد غطاء لقناعاتنا غير القابلة للتغيير وهو أمر لا يقبل النقاش فيه إن انكشف

أما إذا كنا مستعدين للقول

كنت مخطئًا

فهذا لا يعني ضعفًا

بل يعني أن الحقيقة أصبحت الأهم

أصعب ما يواجه التفكير

أصعب ما يواجه التفكير ليس نقص المعلومات وإنما الرغبة في أن تكون أفكارنا صحيحة

نحن لا نفكر دائمًا لكي نعرف

نفكر لكي نجد أحيانًا مبررًا لما نريد أن نتبنى روايته

وهنا يصبح الرفض انتقائيًا

نرفض ما يخالفنا ونبحث بشغف عما يؤيدنا

فنقول عما يعجبنا هذا منطقي

وعن عكسه هناك بالتأكيد خطأ ما

ولهذا فإن التفكير الحقيقي لا يختبر الفكرة فقط بل يختبر موقفنا نحن منها

وقد يكون السؤال الأصعب ليس هل هذه الفكرة صحيحة

بل هل أرفضها لأنها خاطئة أم لأنها لا تتفق معي

الرفض الذي يفتح الباب

هناك رفض يغلق الباب

وهناك رفض يفتح بابًا آخر

عندما أقول لا أقتنع

فيمكن أن تكون هذه نهاية الحديث

لكن يمكن أن تكون أيضًا بداية أسئلة كثيرة

لماذا

كيف عرفت

ما دليلك

هل هناك تفسير آخر

ماذا لو كان العكس صحيحًا

ما الذي لم نفكر فيه بعد

ومن هنا يصبح الرفض أداة للتفكير

ليس لأنه يمتلك الحقيقة وإنما لأنه يرفض أن يمنح الحقيقة بسهولة

الرفض للتفكير

ربما لهذا يمكن النظر إلى الرفض بطريقة مختلفة

فالرفض ليس دائمًا موقفًا ضد شيء

أحيانًا يكون موقفًا من أجل التفكير

أن ترفض أن تقبل بسرعة

أن ترفض أن تجعل الثقة بديلًا عن الدليل

أن ترفض أن تجعل العادة دليلًا على الحقيقة

أن ترفض أن تعتبر كثرة القائلين بالفكرة دليلًا على صحتها

وفي الوقت نفسه أن ترفض أيضًا أن تجعل الشك ذريعة لرفض كل شيء

فالتفكير لا يحتاج إلى عقل يقول نعم دائمًا ولا إلى عقل يقول لا دائمًا

إنه يحتاج إلى عقل يستطيع أن يقول

ربما

دعنا نفكر

وأين تنتهي الرحلة

لا تنتهي عند الرفض

ولا تنتهي عند القبول

بل ربما تنتهي مؤقتًا عند موقف أكثر تواضعًا

هذا ما أراه صحيحًا الآن بناءً على ما أعرفه الآن وأنا مستعد لأن أغير رأيي إذا وجدت ما يستحق ذلك

وهذه ربما تكون واحدة من أكثر الصور صدقًا للعقل

فالحقيقة لا تحتاج إلى أن ننتصر لها

والفكرة لا تصبح صحيحة لأننا دافعنا عنها طويلًا

ورأينا لا يصبح أكثر صحة لأننا تمسكنا به أكثر

أحيانًا يكون أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان بعقله هو أن يرفض قليلًا

حتى يبدأ في التفكير

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *